اللوبي السلالي في خدمة الإنقلاب الحوثي.. عبدالله حميد الدين «أنموذجاً» (1-2)

الساعة 09:47 مساءاً (يمن ميديا - خاص)

 

ليس مفاجئاً تعاطف الأسر الهاشمية في اليمن مع مليشيات الحوثي والتبشير بها منذ حربها الأولى ضد القوات الحكومية في محافظة صعدة (شمال اليمن) عام (2003)، وحتى انقلابها على الشرعية الدستورية نهاية 2014م، ومن ثم دعمها- حالياً- بشتى الوسائل لاستكمال السيطرة على اليمن، تمهيداً لتحقيق حلم الإمبراطورية الإيرانية المتمثل في الهيمنة المطلقة على الجزيرة العربية، وخطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر والبحر العربي من خلال أدواتها المسلحة في المنطقة.

وفي خضم هذه الأحداث، كانت الأسر السلالية في الخارج هي الأشد اندفاعاً إلى مباركة ودعم الفاشية الحوثية وجرائمها بحق اليمنيين، طمعاً في العودة إلى حكم اليمن، والتفرد بالسلطة والثروة، باعتبارهما ملكاً قديماً لأسلافهم أُخذ منهم بالقوة.

وبعد نحو شهر من الانقلاب، وتحديدًا في 26 أكتوبر 2014، احتفلت مليشيا الحوثي والأسر السلالية في صنعاء بعودة أحد أحفاد الإمام يحيى حميد الدين، يدعى "محمد عبدالله حميد الدين" قادماً من المملكة العربية السعودية، للمشاركة الميدانية في الأحداث.

وقال محمد حميد الدين، في تصريح لدى وصوله مطار صنعاء، إن عودته جاءت بعد أن أفرزت "ثورة الشعب في 21 سبتمبر الماضي (يقصد انقلاب الحوثي) واقعاً جديداً في اليمن".. مضيفاً: "ما حدث من تغييرات في هذا العام، وظهور قوى شعبية جديدة، وتغير المشهد السياسي، يبشر ببداية مرحلة مشرقة لليمن" وهو ما يدل على أن الأسر الهاشمية داخل وخارج اليمن، كانت تخطط منذ زمن للانقلاب على نظام الحكم والإطاحة بالجمهورية من أجل إعادة نظام حكم الإمامة.

و"محمد بن عبدالله حميد الدين" هو أحد أفراد أسرة حميد الدين، التي حكمت أجزاء اليمن الشمالية لفترة من الزمن، وغادرتها للعيش في السعودية بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بنظام حكم هذه الأسرة في اليمن، وكان آخر أئمتها البدر محمد بن الإمام أحمد يحيى حميد الدين، وتعتبر جماعة الحوثيين امتدادا فكريا لها.

وبينما قرر "محمد حميد الدين" العودة سريعًا إلى اليمن بعد فترة قصيرة من انقلاب الحوثيين، فضل بقيّة أفراد الأسرة التريّث والاكتفاء بخدمة الحوثي من أماكنهم، وهنا نشط "عبد الله محمد حميد الدين" وهو أحد العناصر السلالية التي تعيش في المملكة وتحمل الجنسية السعودية، في الدفاع عن حروب الحوثيين، ومارَس التضليل الممنهج على المجتمع اليمني والرأي العام السعودي والخليجي، مستغلاً وسائل إعلام خليجية، لتمرير كتاباته، وآرائه، المليئة بالمغالطات الجريئة حول ما يجري في اليمن.

ويصف عبدالله حميد الدين، نفسه، بأنه مفكر، وباحث، وخبير سياسي في شؤون اليمن والسعودية، وتناولت كتاباته التي تزامنت مع أولى حروب مليشيا الحوثي في اليمن، ونشر سلسلة مقالات بجريدة الحياة السعودية، إلى جانب تصريحات وآراء في مختلف المواقع والصحف الخليجية، ومقابلات تلفزيونية تتناول الشأن اليمني، وسخّر جميع هذه الأنشطة- التي ظهر خلالها متطابقاً مع الخطاب الحوثي المتناقض والمخادع بحسب أهدافه ومراحلة- لخدمة مسيرة الإرهاب الحوثي.

والمتتبع لكتابات "حميد الدين"، يتبين له حجم التدليس الذي يمارسه الرجل وإصراره على نفي علاقة الحوثيين الوثيقة بإيران، ومحاولته تبديد مخاوف السعودية من بوادر تشكّل "حزب الله" آخر على حدودها الجنوبية، ففي الحوار الذي أجرته معه مجلة العصر بتاريخ 30 أكتوبر 2009، أجاب على سؤال حول حقيقة ما يجري في صعدة وعلاقة إيران بذلك، بأن ما يحدث هناك هو صراع بين أجنحة الحكم في اليمن ولا علاقة للحوثي وإيران بذلك، وقال: "أما إيران فلا علاقة لها بما يجري في صعدة. وإن كان مؤكداً أنها ستحاول الاستفادة من الوضع هناك... ولكن رغبتها لذلك لا يعني أنها ستحقق ذلك. كما إن إيران لا تملك رصيداً تاريخياً معاصراً في اليمن".

وهو ذات الرأي الذي أورده "حميد الدين" في مقال نشره في جريدة الحياة السعودية بتاريخ: 28 سبتمبر 2014، (أي بعد انقلاب الحوثيين بأسبوع)، حيث اعتبر أن ما حصل في اليمن لم يكن سقوطًا لصنعاء في يد إيران، ولا في يد الحوثيين، وإنما سقوط نهائي لحزب الإصلاح، ولعلي محسن الأحمر، معتبراً إياهما "طرفان أساسيّان في تغذية الإرهاب" وهو ذات الخطاب الذي رفعته مليشيا الحوثي أثناء اجتياحها العاصمة صنعاء، وسيطرتها على مؤسسات الدولة، وذات الشعارات التي رفعتها في غزواتها للسيطرة على بقيّة المحافظات اليمنية، وهي الذريعة التي تحشد المقاتلين تحتها إلى جنوب السعودية بحجة إسقاط الوهابية وتدمير نظام الحكم في المملكة باعتباره "الراعي الأول للإرهاب في العالم" بحسب وصف الجماعة.

ويأتي رأي "حميدالدين" في ذات المقال الذي عنونه بالسؤال: هل هناك تهديد حوثي على الأمن القومي السعودي؟ خلافاً لما أعلنته قيادات إيرانية عسكرية وسياسية، عقب دخول الحوثيين إلى صنعاء، ومنها على سبيل المثال، ما قاله مندوب طهران في البرلماني الإيراني علي رضا زاكاني، وهو أحد المقربين من المرشد الإيراني، حيث تباهي قائلاً بأن "صنعاء أصبحت عاصمة عربية تابعة لإيران، وأن 14 محافظة يمنية ستصبح- قريبًا- تحت سيطرة الحوثيين، وأن "ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد طبيعي للثورة الإيرانية، ولن تقتصر على اليمن وحدها، بل سوف تمتد بعد نجاحها إلى عمق السعودية. وأضاف: نحن اليوم في ذروة قوتنا ويجب أن نفرض إرادتنا ومصلحتنا الاستراتيجية على الجميع".

كما تجاهل "حميد الدين" الدعم الإيراني للحوثيين بالمال والسلاح والخبراء، وكان آخرها وأشهرها في ذلك الحين، توقيع الحوثيين اتفاقية الجسر الجوّي بين طهران وصنعاء، وقبلها حادثة السفينة الإيرانية الشهيرة بـ«جيهان1» التي احتجزتها القوات اليمنية قبالة سواحل المهرة في يناير 2013، (أي قبل أقل من سنة من تاريخ نشر المقال) بينما كانت في طريقها لتسليم الحوثيين 40 طنًا من الأسلحة والقذائف والمتفجرات، وعدد من الخبراء العسكريين، ولذلك كان أوّل تحرك للحوثيين بعد اجتياحهم صنعاء، هو اقتحام مقري جهاز الأمن القومي وإطلاق سراح الخبراء ممن اُحتجزوا ضمن طاقم السفينة.

واعترف "عبدالله حميد الدين" في سياق المقال، بتصاعد نفوذ الحوثيين وارتباطهم بـ"حزب الله" و"إيران"، إلا أنه عالج الأمر بطريقة لا تخلو من الدهشة والغرابة، جاعلًا من الخطر الذي يشكله تنامي نفوذ الحوثيين مسألة ثانوية، فقال: "ما حصل رافقه صعود لنفوذ الحوثيين في اليمن، ليس في مصلحة السعودية باعتبار التحالف الثلاثي الموجود بين حزب الله وإيران والحوثيين، لكنه- بكل ما فيه من مخاطر- أقل خطورة من استمرار سيطرة «الإخوان المسلمين»، وحلفائهم على الحكومة اليمنية".

وهنا يتضح أن "حميد الدين" لم يعد بمقدرته التغطية على حجم العلاقة بين الحوثيين وإيران وأنها ليست في صالح السعودية، خصوصاً بعد انقلابهم على الشرعية واحتلالهم العاصمة، وشروعهم في اجتياح جنوب اليمن، وتنفيذ مناورات عسكرية بالأسلحة الثقيلة على الحدود الجنوبية للمملكة، لكنه، وعلى طريقة اللوبي السلالي في تفخيخ الحقائق، زعم أن «الإخوان المسلمين» وحلفائهم هم من يسيطرون على الحكومة اليمنية، وهي معلومة خاطئة توحي بأحد أمرين: إما أن "حميد الدين" يجهل الواقع اليمني تماماً، وبالتالي فشل في تحليله، وإما أنه يتعمّد تضليل الرأي العام الخليجي، حول ما يجري هناك، وتخديره حتى لا ينهض لمواجهة الحوثيين والقضاء على مشروعهم العابر للحدود. فمن المعلوم أن الحكومة الشرعية التي انقلب عليها الحوثيون كانت توافقية، طبقاً لما نصت عليه المبادرة الخليجية، ووزرائها من جميع المكونات اليمنية بما فيها الحوثيون أنفسهم، كما انقلبوا على مخرجات الحوار الوطني والتي هي الأخرى شارك في صياغتها كل المكونات بما فيها ممثلو جماعة الحوثي.

وذهب "حميد الدين" في مقاله إلى أبعد من ذلك، بزعمه: "أنَّ الحوثيين لا يمكنهم أبداً السيطرة على اليمن، وأن أمامهم طريقاً طويلًا جداً قبل تحقيق ذلك، ولن يحصل".. رافضاً مقارنة ما حصل في العاصمة صنعاء نهاية 2014 بما حصل في بيروت 2008.. قائلاً: إن حزب الله سيطر على بيروت وهو دولة كاملة، وحاضر في الجيش اللبناني، وفي الاستخبارات، وفي الحكومة اللبنانية نفسها. أما الحوثيون فليسوا إلا قوّة عسكرية" إلا أنه تجاهل ذكر وجود الحوثيين في مفاصل الدولة، وتناسى الحضور الطاغي لعناصر السلالة الهاشمية في المناصب الحكومية العليا والحساسة منذ زمن. كما أنه وبعد أشهر قليلة من تاريخ مقال "حميد الدين"، أعلن زعيم الجماعة "عبدالملك الحوثي" التعبئة العامة لاجتياح جنوب اليمن عسكرياً ووصلت مليشيات المسلحة إلى عدن، وهو ما ينفي زعمه بعدم رغبتهم في السيطرة على اليمن.

كما أن مليشيا الحوثي بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء، دشنت مناورات عسكرية بالأسلحة الثقيلة شمال صعدة، بالقرب من الحدود الجنوبية للمملكة، وهي رسالة عسكرية إيرانية يفهمها الجميع، وتؤكدها العقيدة القتالية الحوثية ومحاولتها التوغل جنوب السعودية، وقصفها المنشآت الحيوية في الداخل السعودي، بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، الإيرانية، واستهدافهم السفن التجارية في البحر الأحمر، بالصواريخ المتطورة، والقوارب الانتحارية، والألغام البحرية الذكية، وهي أسلحة لم يكن يمتلكها الجيش اليمني سابقاً، ما يثبت تجاوز إيران للقوانين الدولية وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الذي صدر 2015م وقضى بحظر توريد الأسلحة للحوثيين. وهو ما كشفته لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي باليمن، والتي اتهمت في تقاريرها إيران بالاستمرار في تزويد الحوثيين بالأسلحة المتطورة، والتقنيات اللازمة لتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وبفضل هذا الدعم أصبح لديهم القدرة على قصف أهداف مهمة في عمق السعودية والإمارات، معبّرة عن قلقها من امتلاك الحوثيين لهذه الأسلحة النوعية التي تعد تهديداً حقيقياً على الملاحة الدولية.

فما هو قول "حميد الدين" في هذا الأمر؟ وهل هناك علاقة بين المشروع الحوثي العابر للحدود والدعم الإيراني المتواصل؟ وهل يعقل أن إيران تقدّم دعمًا بهذا الحجم لجماعة لا تخضع لسيطرتها كليّاً؟. وهل سيطول صبر الحكومات الخليجية على هذه الأبواق التي تحاول تضليل مواطنيها بخطاب إعلامي يصرفهم عن المخاطر التي تستهدف أمنهم القومي؟ 

*سنكشف في الموضوع القادم المزيد من التضليل الذي مارسه "عبدالله حميدالدين" ضمن اللوبي السلالي الذي يعمل لخدمة المليشيات الحوثية، وتغطية حروبها التوسعية في اليمن، وكذا جهودهم في زراعة الخلافات بين المكونات اليمنية (الحزبية والقبلية والدينية)، وكيف استطاعوا خداع الرأي العام المحلي والإقليمي، وتحويل تركيزه عن الخطر الذي تمثله المليشيات الحوثية على الأمن القومي اليمني والإقليمي والعالمي.

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
أحدث الأخبار