وكالات الإغاثة الدولية في اليمن.. تمنح السراب وترفض التنمية

الساعة 07:33 مساءاً (يمن ميديا - خاص)

مع دخول الحرب في اليمن سنتها السادسة، تزايدت الدعوات الرسمية والشعبية لوكالات الإغاثة الدولية بتغيير أساليب عملها، وتحديداً يطالبونها بالانتقال من أعمال الإغاثة العابرة إلى مرحلة التنمية دائمة الإنتاج الذاتي خصوصاً في مجال الخدمات الأساسية مثل المياه والطرق والزراعة والصرف الصحي وسبل إدرار الدخل.

ورغم كل تلك الدعوات والاحتياجات الملحّة إلى أن الوكالات الدولية قابلتها بتجاهل مستمر، الأمر الذي فاقم أوضاع الملايين وتوسّعت هذه المعاناة مع نهاية السنة السادسة من الحرب التي ما تزال مستمرّة حتى الآن.

يقول سكّان في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، تحدّثوا لـ"يمن ميديا" إن وكالات الإغاثة تستمر في الإغلاق التدريجي في مناطقهم، ورغم ذلك إلا أن أغلب هؤلاء أظهروا عدم الاكتراث لذلك لأنهم- وفق ما قالوه- "لم يروا أي شيء من تلك المنظمات التي تدعي تقاريرها بوصولها الى 80% من المحتاجين بشدة لمساعداتها الدورية".

ووصف آخرون مساعدات الوكالات الدولية بأنه أشبه بالعمل السفري أي "سريع الاستهلاك عديم الأثر"، وقالوا إنها (المنظمة الإغاثية) تسعى من خلال ذلك إلى تحقيق الربح فقط وليس استهداف الاحتياجات الحقيقية المتمثلة في إيجاد أعمال وخدمات أساسية مستدام للناس تكفيهم ذل مطاردة الوكالات وانتظارها ورداءة سلعها إن وصلت.

وبحلول العام الجديد، يكاد اليمنيون أن يُتموا ستة أعوام من أزمتهم الإنسانية الأكبر في العالم بعد أن أوقف الحوثيون معظم الأنشطة التنموية والخدمية العامة بإعلانهم تخصيص كافة الموارد المالية والبشرية للهجوم على مناطق تعز وبقية مدن جنوب اليمن في 21 مارس 2015م، ما سمّي بـ"التعبئة العامة". 

كان ذلك الاعلان مبرراً للجماعة لتفريع كافة أرصدة البنك المركزي لتتوقف بذلك أنشطة بناء مرافق خدمية عامة جديدة ويتدهور أداء أغلب مؤسسات إنتاج الخدمات (مياه، صحة، تعليم،...إلخ). حينئذٍ، تنفست كافة وكالات الإغاثة الأممية والدولية الصعداء لتتجهز لاستقبال تمويلات دولية ضخمة لم تكن تحلم بها من قبل، فأجرت دراساتها وخرجت ببيانات وتقارير تفيد بأن اليمن أصبحت أضخم كارثة إنسانية في العالم وبأن الأولوية تتركز على المساعدات العاجلة المنقذة للأرواح. وهي تعني بذلك توزيع الغذاء ومواد الإيواء والنظافة الشخصية والتوعية ودعم المؤسسات الحكومية التي يسيطر عليها الحوثيون بالأموال من أجل انتاج الخدمات العامة في المدن. 

واليوم، طُويت صفحة العام 2020 ووكالات الإغاثة في اليمن لم تتلق سوى نصف ما طلبته خلال العام بسبب انعدام ثقة الممولين بأداء الوكالات واستقلاليتها والتزامها بمبادئ العمل الإنساني الخمسة. سوء الأداء ذلك مع طول فترة العمل الاغاثي لست سنوات وطبيعة المساعدات المالية والسلعية جعل الحوثيين يفرون وينجحون في قيادة البرامج الاغاثية بسهولة لدعم برامجهم العسكرية وتحويلها إلى سلاح حربي أطال أزمات ومعاناة اليمنيين كما شهد على ذلك برنامج الغذاء العالمي بنفسة ووكالات أنباء أسوشيتد برس ورويترز المستقلتان، ليبدأ بعدها الممولون بالضغط على الوكالات بتخفيض كميات التوزيع في مسعى لانتزاع تسهيلات من سلطات الأمر الواقع تتمكن الوكالات عبرها من الحفاظ على سيادتها واستقلاليتها في مراحل تحديد قوائم المستحقين للمساعدات والوصول اليهم وتسليمهم المساعدات يداً بيد.


هذا الأمر دفع بتلك السلطات إلى رفض تلك المساعدات ووصفها بالتالفة وعديمة الأثر اقتصاديًا ومعيشياً مطالبين تلك الوكالات بتنفيذ أنشطة ذات أثر طويل المدى. وكانت هذه المطالب كلمة حق أرادوا بها باطلاً. ورغم هذا ترفض الوكالات الدخول في هذه الأنشطة التنموية مفضلة البقاء على العمل الاغاثي دون إصلاح نهج عملها بسبب أنه سهل وسريعة التنفيذ، ويستوعب تمويلات ضحمة يسهل إنفاقها ويصعب مراقبته من قبل الممولين. 

وفي العام 2020، أقدمت الوكالات على إغلاق 14 برنامجاً من اجمالي 40 برنامجًا إغاثياً بسبب استمرار ضغوط الحوثيين عليهم وفي نهاية الربع الثالث من نفس العام صرحت منسقة الشئون الإنسانية في اليمن ليز جراندي من صنعاء بإغلاق 26 برنامجاً المتبقية في نهاية العام إذا استمر الممولون في عدم تمويل وكالات الإغاثة!

حل متوفر لليمنيين وغير مفيد للوكالات

عبدالوهاب، أحد الشباب من محافظة ريمة الجبلية شاهقة الارتفاع صعبة الطرق والتضاريس تساءل أمامي: أعلم أن الملايين من اليمنيين يقطنون المرتفعات مثل قرى ريمة ويستحيل على شاحنات مياه الإغاثية الوصول اليهم لإنقاذ أرواحهم من الموت عطشاً!

ويضيف أن مجرد صعوبة التضاريس يصرف نظر المنظمات عن الوصول إلى تلك المناطق.. مضيفاً أنه لا حل لإنقاذ أولئك العطشى سوى ببناء خزان عام لتجميع مياه الأمطار فيها لتكفيهم طوال العام للشرب وأغراض النظافة الشخصية.

مثل تساؤل عبدالوهاب كان قد دار ين كبار خبراء البنك الدولي المهتم أساساً في تنمية البلدان الفقيرة والتخفيف من فقر شعوبها، وكان سياق الصراع الواسع في بلد ما كاليمن هو التحدي الذي منع البنك وبقية مؤسساته من التدخل فيها بأنشطة التنمية بسبب موجهات عمله التي تحظر عليه العمل في بيئات الحرب. 

وبالنظر إلى تفاقم وضع المينيين وعجم قدرة الإغاثة على إحداث تغييرات متوسطة أو طويلة الأمد بالرغم من مليارات الدولارات للإغاثة! التفت البنك إلى الكثير من الدراسات السابقة التي تخض على دعم المتضررين من الحرب بمساعدات إغاثية فورية مثل فرص عمل انشائية مؤقتة تدر أجور عمل مالية نظير العمل في إنشاء خدمات عامة دائمة الأثر مثل خزانات المياه الكبيرة أو مراحيض الصرف الصحي مثلاً لتحقق لهم خدمتين في وقت واحد وهي أجور العمل لشراء ما يحتاجونه من أغذية أو أدوية أو مؤن من ناحية ومرافق خدمية يستفيدون من وظائفها لسنوات وخاصة أثناء فترة الحرب.

ولمعالجة الخلل الكبير في المجهودات الاغاثية في اليمن وغيرها، دعا البنك الدولي منظمات الأمم المتحدة على المستوى الرفيع إلى القمة الإنسانية العالمية الأولى في إسطنبول منتصف العام 2016، وتم التوقيع على قيام البنك بتمويل المنظمات للربط بين أعمال الإغاثة والتنمية في بلدان الصراعات وكان المين أول البلدان المستفيدة من ذلك الاتفاق وبتمويلات اجمالية تكاد تصل الآن الى مليار دولار. غير أن منظمات أممية ودولية لا يتعدى عددها الاثنتين نجحت في تطبيق المنهج الجديد عبر مؤسستين محليتين لكن حجم تدخلاتهما لم يكن ملحوظاً بسبب محدودية تمويلهما بينما استمرت أكثر من مائتين منظمة دولية ومحلية أخرى في أعمالها الإغاثية السهلة.

ويرى مراقبون أنه ينبغي على الجميع أن يعي أهمية هذه القضية المسكوت عنها طويلاً في اليمن وتأثير أبعادها في حياة ومصير اليمنيين بحكم أنهم المستهدف الأول والأخير بالتمويلات المليارية وليس الوكالات. كما ينبغي أن تكون الأجندة الإنسانية التي يناصرها اليمنيون كما السعوديين وكافة حكومات التحالف العربي.

ولأجل تحقيق ذلك يؤكد المراقبون أنه من المهم فهم أهم الفروق بين الأهداف الرئيسة للعملين الاغاثي والتنموي، إذ أن هدف الإغاثة مؤقت ينتهي بانتهاء السلعة الاستهلاكية المقدمة، بينما تولد التنمية سبل الزرق والخدمات المستدامة التي تعمل على تخفيض الحجم الضخم للاحتياجات، وتقوية المجتمعات المتأثرة من الحرب على تحمل آثار الصراع لسنوات دون مساعدة أخرى من أحد، وبناء روابط التضامن والسلام في أوساط المجتمع وتوفر بديلاً مناسباً بدلاً من التجنيد في الحرب وإطالة أمده.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص