لمياء الكندي
لمياء الكندي
أعيادنا الوطنية ذاكرة شعب وجلاء كهنوت
الساعة 12:38 صباحاً

ليس ثمة من شعب قريب العهد من ذاكرته الوطنية  والاتصال بها كما الحال مع الشعب اليمني والدولة اليمنية المعاصرة. مازال العديد من جيل الثورة الخالدة وسنوات الكفاح ضد الإمامة والاستعمار حاضرين بيننا، مازال البعض ممن عاصروا عهد الإمامة والاستعمار الإنجليزي يقصون علينا حكايات من وجع وصمود، من قهر وبطولة، قصصا من الاستبداد والثورة النور والظلام الجهل والعلم الحرية والاستعباد.
عهود جمهورية خالصة عاشها الآباء فكانوا جزءا من أحداثها، بين ثائر ومقاوم أو  ثوري ومناضل بروح قوميه عروبية، أو بأنفاس اشتراكية تطلعيه، أو إسلامي متنور.
 كان منهم المخضرمون والمؤدلجون الذين تتجاذبهم أحزاب اليمين واليسار، كانوا يمثلون حالة اختلاف وتنوع تقع ضمن إطارات فكرية تشرف عليها تيارات سياسية متعددة، كلا يرسم خارطته ويطرح فكرته ويحشد لفكرته للوصول إلى غايته التي كان الوطن حاضرا فيها بقوة.
في السبعينات والثمانيات تداخلت خطوط السياسة والثقافة مع بعضها وتداخل فيها الجدل، وأنتجت رغم عصبية البعض تجاهها بذور مجتمع متعدد الثقافة والهوية، مجتمع يتطلع المثقف فيه إلى تحقيق الريادة والقضاء على مخلفات الرجعية، وكانت القبيلة تحالف هذا وتحارب هذا من أجل ضمان بقاء نفوذها، وكانت الأحزاب الدينية ترسم تصورها لصلاح المجتمع بشكل راديكالي يتوافق مع تجاذبات المرحلة ويعبر عنها، وكانت الدولة قوية العقيدة باتجاه الإصلاح متعددت الوجهات والتحالفات.  
لكن كان هناك خلل ما يترصد ميدان العمل الوطني ويرفض ان تكون جهود النخب في الدولة والأحزاب أو القبيلة لصالح الوطن والدولة فتم تجيير هذا التنوع للهدم البطيء لتركيبة الدولة والمجتمع المتحررة. فبعد الثورة وبعد الجلاء كان منا القوميون ومنا الناصريون ومنا البعثيون ومنا الاشتراكيون والماركسيون ورجال الدين والقبائل، نعم اختلفت عقائدهم لكن وجهتم كانت واحدة، تجلت أكبر وأعظم توجهاتهم السياسية نحو السعي لتحقيق الوحدة اليمنية ومباركتها، فولد بذلك الحدث الأجل، والتاريخ الأعظم، جيل آخر يعرف بجيل الوحدة، وللأسف كان هذا الجيل يمثل حلقة الانتماء الأضعف للفكر والثقافة الوطنية فهو جيل تخلت دولة الوحدة عن رعايته، جيل يعانى من شحة المحركات الثقافية الوجدانية الوطنية، رغم أهمية الحدث  الذي ينتمي إليه، وحجم التهديد الذي كان لابد أن ترافق سنواته الأولى روح ثورية وحدوية يمنية قويه ترعاها الدولة وتسهم الأحزاب بتوجيه نشاطها وريادة فعاليتها وتعميق الشعور بالوطن والثورة والاستقلال والوحدة وهو الأمر الذي لم يحدث.
هذا التغافل في النشاط الثقافي الثوري والفكري أضعف سياج الدولة وساهم في اختراقها من عناصر الإمامة، مستفيدة من مناخ التعددية السياسية والحزبية وحرية الصحافة، لتتحول القيم الديمقراطية التي ضمنتها الدولة ودستورها من قيم مساعدة في بناء إلى الدولة، إلى وسيلة هدم لإسقاط الدولة، وهو ما أظهرته السياسات والممارسات التراكمية لعملية الهدم الهاشمية المنظمة لمنظومة الدولة ومؤسساتها من 1990م وحتى 2014 والى اليوم.
فعلى الرغم من مآسي الواقع وسريان الحرب وتلقي جمهوريتنا ضربات موجعة من طواغيت الإمامة، إلا إننا ليوم نعيش فترة انتعاش وصحوة جمهورية خالدة، فترة وعي جماهيري لا تحتاج لقيادتها مؤسسات دولة، ولا دائرة توجيه ولا وزارة ثقافة ولا  أندية أدبية وثقافية، ولا مراكز بحثية ولا تنظيمات حزبية ولا أيديولوجيات خارجية ولا لصحافة ودور إعلام تتبنى خطابها لتعبر عن ذاتها.
إنها لحظة ميلاد اليمني المستقل بذاته، لحظة الإجلاء الذاتي الذي يمارسه اليمني كل يوم ضد خرافة السلالة وأدواتها.
إننا نعيش واقع حرب لها متغيرات كبيرة على مستوى الخريطة السياسية والعسكرية، ولكن الأكبر منها هو ما تحدثه هذه الحرب فينا من تغير على مستوى الفرد في مسار حريته وعقيدته ووطنيته ومسؤولياته وواجباته تجاه الوطن.
كل فرد منا أصبح مشروعا تنويريا بحد ذاته، فكل ردت فعل مقاومة للإمامة تشكل جبهة كاملة منتصرة.
كل كلمة حق تستهدف التعزير في قيم السلالة الزائفة وتكشف جهالتها هي جهادنا الأعظم ونصرنا الأشم بأدوات المعرفة واليقين وسلاح الكرامة والحرية الذي يحمل غايته كل يمني ويمنية أصيلة. 
إننا هنا نعيش ونحتفل بيوميات جلاء وإجلاء لكهنة التاريخ والحاضر، كل منشور على حائط فيسبوكي بسيط، وكل تغريده، وكل رسالة في مواقع التواصل تفضح مشاريع أبناء الدجل الامامي ولصوصيتهم، هي رسالة جلاء وتجلٍّ، جلاء لكهنوتي بغيض وخرافة حاقدة، وتجلٍّ لعظمة يمنيتنا ونبل غايتنا وتحرر عقيدتنا منهم.
لهذا لابد من أن تكون مناسباتنا الوطنية محفزات لاستنهاض روح الغاية الأعظم بالتحرر والانعتاق من سلطة الكهنوت وإسقاط لمشاريع المليشيات.
فنحن جوهر القضية واصلها، ونحن المستهدفون من هذه الحرب ليكون احتفالنا بعيد الجلاء في الثلاثين من نوفمبر، هو احتفال اليمن اليوم بواقع ثورة وشموخ مقاومة وغاية نصر وجدار صد، وبناء دولة، وجلاء خرافة.
هذه هي أدوارنا اليوم وكل يوم، إلى أن نستعيد ذاتنا الجمهورية ويعلو صوت الوعي فوق صوت الخرافة، وصوت الشعب فوق صوت السلالة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
أحدث الأخبار
الأكثر قراءة
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر